كلمة رئيس مجلس الوزراء

الدكتور سليم الحص

في افتتاح

مؤتمر المنظمات غير الحكومية لإنماء الجنوب

 

فندق البريستول، 28/9/2000

 

أيها الحفل الكريم،

 

يسعدني أن افتتح هذا المؤتمر الذي ينظمه كل من السفارة الإيطالية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ويسرني أن أتوجه بالتحية إلى هذا الحفل الكريم الذي يضم حشداً كبيراً من الممثلين عن المنظمات غير الحكومية، ونخبة من الأخصائيين المهتمين بالشأن العام، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع الدولي.

 

ولعلّ انعقاد هذه الندوة بعد فترة وجيزة من انعقاد المؤتمر التمهيدي للدول والمنظمات المانحة في آخر شهر تموز، لدلالة أكيدة على اهتمام المجتمع الدولي وجدية لبنان، حكومة وشعباً ومنظمات أهلية، للمضي قدماً في خطة النهوض الوطني والإنمائي، وفي احتضان المناطق المحررة بعد 22 عاماً من الاحتلال، واكثر من ثلاثين سنة من المعاناة والاعتداءات الإسرائيلية. وإذ اعبر عن أسفي لتأجيل مؤتمر الدول المانحة الذي كان مقرراً انعقاده فوراً بعد مؤتمر المنظمات غير الحكومية هذا، أود التأكيد على أهمية هذا المؤتمر في مواكبة عمل الحكومة، مع الإشارة إلى أن هناك حاجات أساسية لدى سكان المناطق المحررة لا يمكن أن تؤمنها المنظمات غير الحكومية، وتتطلب عقد مؤتمر الدول المانحة في أسرع وقت ممكن.

 

أيها الحفل الكريم،

 

إننا إذ نشهد اليوم نهاية 22 عاماً طوالاً من الاحتلال الإسرائيلي لأرضنا بما رافقه من مآس، وقد طال العدوان ليس فقط الجنوب بل تعداه إلى سائر المناطق، يواجه لبنان اليوم سلسلة من التحديات الجسام، مما يوجب علينا النظر في الوسيلة الأجدى لبناء ما تهدم، وتعبئة الإمكانات والإسراع في تلبية الحاجات، وإذ أن عودة اندماج الجنوب المحرر في الجسم الوطني تكتسب أهمية جيوستراتيجية، وتستحق دعماً خاصاً من المجموعة الدولية.

قد لا يكون هناك اتفاق تام على وسائل تحقيق التسوية في الشرق الأوسط، ولكن لا شك في أن أي تأخير في الاستجابة إلى الحاجات التنموية في المناطق الجنوبية لن يكون في مصلحة التقدّم على مسار التسوية.

فإنماء جنوب لبنان يشكل شرطاً أساسياً لضمان التماسك الداخلي وعودة المهجرين الى مناطقهم، وهو دون شك يمثل ظاهرة أساسية لبناء الثقة وتجنب النزاع في المنطقة.

 

أيها السيدات والسادة،

 

إنطلاقاً من هذه القناعة، ومن أجل مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التحرير، ومن اجل إعادة الحياة الطبيعية إلى المنطقة وتأمين تنميتها المستدامة، عملت الحكومة على أربعة أولويات:

 

1-    تثبيت الأمن والطمأنينة لسكان هذه المناطق والإسراع في بسط سلطة الدولة اللبنانية.

2-    تحضير برنامج إنمائي إقتصادي- إجتماعي للمناطق المحررة والأراضي المتاخمة للسنوات الخمس المقبلة.

3-    الشروع ببرنامج طوارئ من أجل تأمين الحاجات الملحّة والخدمات الأساسية لمنطقة الجنوب والبقاع الغربي.

4-    عقد المؤتمر التمهيدي للدول والمنظمات المانحة في 27 تموز 2000، لتنسيق سبل التعاون وآليات المساعدة التي يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي.

 

وإيماناً منا بضرورة تكثيف الجهود وتأمين الدعم الكامل للمناطق المحررة، باشرنا فوراً بالخطوات التالية:

 

 التحضير للمؤتمر الموعود للدول المانحة الذي كان من المفترض عقده في 9-10 من تشرين الأول. وفي سياق هذه التحضيرات، قامت الحكومة بمراجعة خطة الطوارئ والخطة الإنمائية الخمسية للجنوب ودمجها في خطة واحدة تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الملحة والمشاريع الإنمائية للمنطقة وتضع الأولويات وفقاً للقطاعات. وتقدر كلفة المشاريع التي يجب تنفيذها خلال فترة سنتين بحوالي 530 مليون دولار أميركي.

 

وبهدف تأمين الشفافية المطلوبة، تمّ إنشاء موقع على الإنترنت لإنماء وإعادة إعمار المناطق المحررة المتاخمة. إضافة إلى طبع كتيب يتضمن جميع مداخلات ومقررات مؤتمر تموز، من جهة أخرى، وانطلاقاً من وعينا لضرورة تكثيف التعاون بين الحكومة وجميع الأطراف المعنية، سواءً على مستوى الشعب، أو القطاع الخاص، أو المؤسسات الحكومية، أو المنظمات غير الحكومية، نرحب بالجهود التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية في لبنان عامة، ونشجع المبادرات التي تقوم بها هذه المؤسسات لمواكبة عمل الحكومة في الجنوب خاصة. وقد أثبتت هذه المنظمات فعاليتها في عملية الإغاثة، وفي إيصال الخدمات إلى الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً، وفي إقامة مشاريع تنموية تعزز مشاركة القطاع الأهلي، كما إنها نجحت في إثارة الإهتمام بقضايا المحرومين.

 

ولما كانت الحكومة حريصة على تفعيل هذا الدور وتفادياً للهدر والازدواجية في المشاريع، وبهدف تحقيق التنسيق التام بين مؤسسات الدولة ومنظماتكم الموقرة، طلبت من رئيس مجلس الانماء والاعمار تحضير آلية للتنسيق مع الهيئات الوسيطة كالمنظمات غير الحكومية التي سوف يتم انتقاؤها وفق معايير محددة Eligibility Criteria وذلك بهدف تنفيذ المشاريع الاجتماعية في الجنوب عبر المنظمات وتوحيد وتنظيم أطر العمل وتحسين أدائه، وهكذا أصبح الآن في لبنان، لدى المنظمات غير الحكومية محاور رسمي، يوجّه، ويفعّل وينسق، مما يمنع الازدواجية والتشابك، ويؤسس لمنهجية متطوّرة في العمل، مسهلاً بذلك المشاركة المستديمة من قبل الهيئات الأهلية في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ.

 

أيها الحفل الكريم،

 

إننا على يقين من نجاح هذه التجربة إذا تمت بالتعاون والتنسيق بين الحكومة اللبنانية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.

 

تمنياتي أولاً، أن نستفيد من هذا الظرف الاستثنائي، حيث تلتقي المنظمات غير الحكومية من لبنانية وأجنبية، في بيروت لنحدد سوياً المجالات التي تتمتع فيها هذه المنظمات بفعالية وجدوى أكثر من غيرها، إن لجهة سرعة التنفيذ أو فعالية الأداء، أو الاستدامة في تحقيق الأهداف.

 

وتمنياتي ثانياً أن ننجح سوياً في تحديد سبل التعاون والتكامل فيما بيننا.

إننا نعتبر هذه الخطوة مرحلة متقدمة من التعاون لتحديد مهام كل من القطاع العام والأهلي في عملية التنمية المرجوة.

 

واسمحوا لي ختاماً، أن أتوجه بالشكر للقيمين على هذا المؤتمر، وبالتقدير للمشاركين فيه، وللجهود والمساعي التي بذلت وسوف تبذل من أجل المساهمة في إعادة إعمار الجنوب وتنميته.

 

 

وشكراً.

 

 

                                                                            سليم الحص